المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما يتنفس الحب - قصة قصيرة


Basma
01-13-2012, 09:54 PM
عندما يتنفس الحب


إنها ليلة الوصل، وقد انطوت بها صحيفة الهجر..
فسلام فيها حتى مطلع الفجر..
ويا قلبي ثبّت أقدامك في طريق العشق..
ففي هذا السبيل لا يكون عمل بغير أجر..
وسوف لا أتوب عن الحب والتودد إليك..
ولو آذيتني بالهجر ورميتني بالحجر.



سرب من البنات يخطرن في الأمسيات العائلية كالظباء النافرة غروراً وأنفة، وأنا بينهن كالوزة السوداء التي شذت عن أخواتها الناصعات البياض.
القصة التي قرأتها وأنا طفلة ولهذا جاءت المنافسة على قلب الملك غير واقعية، يبدو (شاهين) فارس أحلامنا والنموذج الحلم الذي يشحذ آمالنا البكر، أشعر أني ملغية من دائرة الحسان اللاتي امتلكن مؤهلات تستحق التفاتة مقصودة منه، فيوم الخميس ملتقانا العائلي الحافل، انصهار العائلات ببعضها، تشابك فروعها يجعل احتمالات التزاوج بين الأبناء والبنات وارد و (شاهين) شمعة الشباب بامتياز، فقد حباه الله طلّة أخاذة تفتن البنات، فهو ابن رجل الأعمال (خالد المنجد)، وأمه سيدة مجتمع من الطراز الكلاسيكي النادر فقد احتفظت برونقها رغم تقدم السنين، حينما أشاهد هذا الكم من اليافعات حوله أتراجع محبطة وأغرق في الحزن يائسة، فكيف ألفت نظره وأنا أنطفئ أمام بريق نجمات تسطع أنوارهن إلى حد الإبهار، فلا مجال للمقارنة أو المفاضلة ولا حتى مقاييس متقاربة، ومهما حاولت أن ألمّع سطوحي الصدئة يبقى شعاعهن اشد نفاذا إلىً قلبه.
آه يا (شاهين) متى تلتفت إلى الوزة السوداء الخجولة التي تحبك في صمت وتضمك إلى أحلامها المقبورة كطفلة يتيمة، لم أجرؤ حتى أن أعلن عن نفسي وعن إسمي، فالمتغطرسات لم يعبئن بوجودي فأنا لا أشكل خطراً على حضورهن الآسر، لكني ألمح على وجوههن القلق من بعضهن البعض إذ يتنافسن بخبث وحذر، فهن يطلبن وهج هذا الفتى وأنا أقدّر جوهره الثمين، أحبه لذاته، لنبله وحُسن خلقه، ولم أندفع لأعري ذاتي أمامه دون أن أتأكد من بواطنه وما طوى من رغبات وميول، إنهن يستندن على التقاطيع الحسيّة في استجلاب قلبه ويتوددن إليه بلطف متكلف وغنج مفتعل، وأقف من بعيد أترقب المشهد لأقيمه لعلي أفسح لي شقاً من الأمل وسط سد من العوائق الصخرية، الخيبات مفضوحة على وجوههن العابسة، فد كان يتصرف بلياقة رجل مؤدب يعرف حدوده تماماً ويتعاطى المجاملات في إطارها الرسمي المعروف فلم يعدهن بأمل في زواج أو حتى مشروع حب، كنّ يَرْتَبن من بعضهن فتظن كل واحدة أن الأخرى تخطط سراً للاستحواذ عليه بفنونها الخاصة، فأرى اجتماعهن مع بعض لكن قلوبهن شتى ونواياهن ألغام من الغيرة المبطنة بأنانية بغيضة، ومؤمنة في النهاية أن لا واحدة منهن تحبه حباً حقيقياً مبنياً على الإيمان بشخصه والقناعة بذاته دون الاعتبارات الشكلية الزائفة والمظهرية الزائلة المسماة بـ (البرستيج).
مشكلتي الأخرى خجلي، فلا أملك الجرأة على المبادرة بكلمة أو نظرة أو حتى إشارة تجذب انتباهه، وثيابي بسيطة جداً أشعر أنني أنسلخ عن جلدي حينما أستبدلها بطراز فوضوي مثير، فقد تربيت على الحشمة حتى في سلوكي وحديثي، ونشأت في بيئة محافظة ولهذا أبدو صامتة لكني في أعماقي ألهج بأكثر لغات العالم رهافة وشاعرية وربما لو تزوجت شاهين وأعوذ بالله من كلمة (لو) لانفتحت في وجهي أبواب جهنم، سأكون إلى جنبه جارية من جواريه المنسيات في الذاكرة العتيقة، فهيئته الفخمة وطلعة شبابه الأزهر تتفق مع غادة يافعة لها سمت الأميرات، أفكر به حلماً، أشتاق له أملاً، وأغرق في حب صامت حتى أنفجر باكية، لهذا قررت في الخميس القادم أن ألغي هذه الزيارة من جدول أيامي فربما أنساه وأطوي صفحة حبي الدامية التي اكتوت بآهات قلبي ولوعة فؤادي، الجحيم يمور داخلي وهو لا يدري عني، يختال بشبابه كالطاووس ولم ينتبه إلى من تعذبت بحبه حتى اضمحلت، فلأترك هذه المحطة وأرحل إلى دنيا أخرى خالية من معاناة الغيرة والحرمان، لكني تفاجأت بحقيقة صدمت توقعاتي، زارتني ابنة عمي (خلود) ذات مساء وفي معرض حديثها ذكرت لي:
(أتدرين أن شاهين استفقدك الخميس الفائت؟)
اضطرب عقلي وخلت نفسي أحلم، وعلى نحوٍ ساخر ينتقص من قدري ضحكت وبفكاهة جارحة عقبت:
- مزاجي، يسأل عن قطة هاشم بن أخي التي أحضرها آخر مرة باهتمام بالغ.
كظمت غيظي ولعقت الجرح:
- هذا لأنه إنسان مرهف حتى القطة لها موقع خاص في قلبه!
وربما استغبتني لكني طويت ألمي وتظاهرت أن الأمر جاء في سياق حديثها العام، وحينما غادرتني استفردت بنفسي لأفكر على مهل وأستوعب فحوى السؤال الذي أعتقد أنه لم يكن عارضاً بل مقصوداً، ربما جذبته بفعل ادماني على التفكير فيه لكني تصبرت لحين تجدد الظروف المناسبة.
أقبل الخميس التالي وكنت في حالة من القلق والترقب وخمنت أنني سأكون تحت ملاحظته فارتديت أجمل ثيابي وطورت مظهري كأنثى مستعدة لرجل تحبه، حتى أظافري المهملة كان لها نصيب وافر من العناية، أعرف أنه جنون وقد يكون تورط سيء العواقب لكني لا أملك القدرة على كبح هواجس قلبي الملتاع، فصورته لا تفارق خيالي، صوته شلال حنان ينساب من علياء الجنان ليصب في شراييني، هل أنا عاقلة أم مجنونة؟ دائماً أتساءل مع تدفق أحاسيسي نحوه دون رادع من إرادة أو منطق.. قد أجد نوعاً من السعادة في هذه الحالة فحمم الشوق في قلبي المولع تجعلني أشعر بالحياة وبمعنى وجودي.
جاء يوم الخميس الاحتفالي المنكه بالمنافسة الضارية بين فتيات العائلة وقد دخلت رقماً في حلبة الصراع الناعمة وكأني أقذف بأحلامي في يم غويط لعلي في إحدى مرات الغوص أفوز بجوهرتي، حينما وصلت رسمت ابتسامة كالفجر الحالم على ثغر الليل الغائم ارتجفت وأنا أحلّق بطائر عيني نحو الجالسين فما وجدته، انحسر موج الشوق إلى قعر الحيرة، ابنة عمي التقطت انهياري المكتوم واقتربت تهمس بفحيح أفعى سامّة:
(لم يأتِ اليوم!)
انفعلت فبان عليّ الاضطراب:
- من هو؟
- من تبحثين عنه!
- لا أدري ما وراء ألغازك؟
- واضح أنكِ جئتِ غازية لكن البطل في خبر كان!
كدت أن أهوى على خدها بصفعة، صحت بها:
- أنا مندهشة.. كيف تتحدثين معي بهذه العدائية؟
- شاهين خطب (ريم) وسيتزوجان الأسبوع القادم.
أحاول أن أتشبث بأرض تدور بي وأكاد أن أقع في دوامة لا قرار لها..
وأصرت على إيلامي:
- لا تستغبيني فأنا أعرف ما في طويتك وأفهم كيف تعانين ومما تعانين؟
هربت منها ومن واقع كالجحيم ومن حب يائس كطعم القدر المرّ، لقد خطب الأميرة اللائقة بحجم مزاياه (ريم) دمية منسّقة في معايير خيالية، ذات وهج أنثوي لا يقاوم، تخرجت للتو من كلية الآداب وتستعد لتكتب في إحدى الصحف المشهورة.. أكلتني الغيرة حتى انتهيت جلداً على عظم وتمور داخلي مشاعر حقد وأتمن لو يُلغى زواجهما أو يعمّ الخراب بينهما.. هذا الرجل بكامله لي بمنتهى حدوده.. فكرت أن أنساه، أن أُغيّب حالة الوعي المدمرة، أن ألغي ذاكرتي وأعيش حاضري المقدر حتى لو مزقتني الأحزان، لكني في أمل دائم حتى لو تزوج كل نساء الأرض، حدسي لن يخطئني وراداري المشحون بالوساوس والظنون يلتقط إشارات كونية تدنينا من بعض حتى لو كان الحلم صعباً وبعيداً فإن ثمة رابط روحي يربطني به، قد يتصور أي عاقل أن الحب من طرف واحد وأني أعيش وهماً كاذباً نسجته أحلامي العابثة، في يوم ما ستقذفه الأيام على شاطئ أيامي لألتقطه بنفسي، فزواجه كان أشبه بخرافة إذ تم وانتهى كصحوة نائم من ذعر كابوس مزعج، وجهها المنقوش بأجمل الألوان يغطي روحاً متقيحة بالغيرة والحقد، منخورة بالأنا دفعت شاهين إلى الهرب من ذلك الدمار الشامل، إنها تخطئ أخطاء إستراتيجية، كان ينظر من زاوية الحاضر إلى نهاية الطريق فيعرف أنها لا تصلح إلا ليوم أو يومين، وعادت بعد فترة الخميسيات إلى الضوء لننعم بالتواصل الصامت والمغلف بالمجاملات الرتيبة، بعد فترة يئسن من مراودته فتفرقن بعد زواجه إلى مصائرهن المقدرة إلا أنا رابضة بجذوري في وطنه.. أتبع حدسي في كل شاردة وواردة تدعم صورة العلاقة الضبابية الفاقدة للهوية والعنوان.. إذ لا يمكن أن تؤطر كعلاقة طالما كانت من طرف واحد، لكني عشت على هذا الأمل، في هذا الخميس أخذت معي قالب حلوى صنعته بيدي كمحاولة لجس نبضه ولو بهذا الشكل البدائي، قدمت له قطعة قائلة:
- أتمنى لو تعجبك.
لخصني بنظرة شاملة:
- بل تعجبني جداً!
احتقن وجهي وكدت أن أتلاشى كذرة ذائبة في الأثير.. هل تحقق الوعد؟ وهل عاد فارس أحلامي بعد الهجر والقطيعة ليروي ظمأي ويطيب جرحي؟ أعتقد أن سياسة النفس الطويل أثمرت، لا أستعجل الارتباط سأبقى في حدود المسافة المسموحة بيننا حتى الظفر به كأمنية.
صبرت وتركت المكون العاطفي ينضج بيننا على نار هادئة، تأخذ الرسائل الهاتفية أفكارنا ومشاعرنا مداها اللامحدود فتتغربل على هوادة وتسكب خلاصتها اللزجة في إنائنا الموحد بتداخل عميق.
كتب لي:
(كُنتِ قمراً يتوارى خلف غيومهن أترقب طلعتك في كل حين).
وكتبت له:
(شاهين.. يا طيري الجارح، الواقف على شاهق أحلامي.. قد فسّرت عيناك قصائد حبي المدفون في أعماقي شهوراً طويلة)
وكتبنا أجمل مشاعرنا ورهفنا على صفحات الأيام لواعجنا فتركت حيز الأنا الموحش لأنضم إليه في شرنقة طوّقت ذلك الحب الراسخ.
وكان سعيداً، سعيداًَ، جداً، جداً معي..
ففي حجرتنا الخاصة أخرج من جلدي وأنغرس في لحمه، نذوب ونتلاشى إلى ذرات أبحث عن نفسي فأجدني أسبح في خلايا دمه
وأنتهي فيه، فهو كان البداية وسيبقى حتى النهاية.


بقلم الكاتبــة/ خـــولة القزويـني ~

جرح
01-14-2012, 02:53 AM
الله
يالها من قصه جميله استمتعت بقراءتها
شدني اليها عنوانها الرائع
وابحرت بإحرفها التي كادت ان تغرقني بإمواج معانيها
خوله القزويني سلم لنا قلمك الذي يطرينا دائماً بما ينزفه
بسمه يسرني ان اكون من اول الردود لما تنتقيه لنا
تدومي سالمه ان شاءالله

Basma
01-14-2012, 01:36 PM
أسسعدني مروركـ ,,
و ردكـ الأكثر من رائـع ،،
دمــت بـِ ود |~*

ANIS
01-14-2012, 06:01 PM
قصة راااائعة
سلمت يداك على الإختياااار الرائع
جزيتي بالخيرررررر

Basma
01-15-2012, 02:39 PM
مشششكور .. نورت ،،